اسماعيل بن محمد القونوي

197

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الاستئناف من حيث إن حكاية اللّه تعالى حال المنافقين تحرك السامعين أن يسألوا ما يصير أمرهم وعقبى حالهم وكشف معاملة اللّه تعالى إياهم فلم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب فلزم المصير إلى الاستئناف وكلامه صريح في أن المراد بالاستئناف الاستئناف المعاني وكذا مراد الشيخين به ذلك الاستئناف وظهر من هذا التقرير أن تركه للاستئناف ليس صلاحية المقام للعطف تشرطا له حتى يقال إنه ولا يظهر ما يحسن عطفه عليه إلا قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ [ البقرة : 8 ] وهو بعيد لفظا ومعنى على أن في عطفه على قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] نوع صحة فإن قولهم إنه يلزم حينئذ كونه مقيدا بالشرط غير مسلم « 1 » إذ قيد المعطوف عليه قد لا يعتبر في المعطوف على أنه يجوز العطف على مجموع الشرط والجزاء كما قيل في قوله تعالى : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ يونس : 49 ] إن قوله وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ يونس : 49 ] عطف على مجموع الشرط فليس في هذا العطف بعد قطعا لأنه قوله تعالى : وَإِذا خَلَوْا [ البقرة : 14 ] معطوف على وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] لا بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ البقرة : 10 ] على هذا التقدير هذا كله إذا كان ترك العطف للاستئناف مشروطا لكون المقام صالحا للعطف وهذا غير مسلم كما مر فكلام السكاكي غير مناف لكلام العلامة إذ يجوز أن يقال ترك العطف لما فيه من المانع ولجزالة الاستئناف وفخامته وينصره قول أرباب المعاني ترك العطف للاستئناف ولم يتعرضوا لوجود المانع أو عدمه . قوله : ( ليدل على أن اللّه تعالى تولى مجازاتهم ) هذا بناء على أن الكلام يفيد الحصر لأن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد القصر مطلقا سواء ولي النفي أولا وسواء كان المبتدأ مظهرا معرفا أولا فيفيد قصر صفة الاستهزاء عليه تعالى أي هو المستهزىء بهم دون المؤمنين فالقصر إضافي والمعنى أنه تعالى يتولى الاستهزاء بالمعنى الذي يليق بهم ويتصور اتصافه تعالى به كما مر ولا حاجة إلى استهزاء المؤمنين بالمعنى الذي يتصور في حقهم كما أشار إليه بقوله ( ولم يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم ) لكن فيه شبهة وهي أن قوله آنفا وذلك قوله تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا [ المطففين : 34 ] الآية يفيد أن المؤمنين يستهزئون بهم في الآخرة إلا أن يقال الضحك غير الاستهزاء ولا يخفى ضعفه أو يقال إنه تعالى لم يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم وإن عارضوهم بالاستهزاء أو القصر بالنسبة إلى الدنيا وظهر من هذا البيان أن ما دل على ذلك تقديم المبتدأ على الخبر الفعلي سواء عطف أو لم يعطف وأما قول البعض لم يقل على أن اللّه تعالى هو الذي تولى مجازاتهم كما قال في الكشاف لأن قصد التخصيص بما بني على المبتدأ المظهر المعرف مما ينكره كثير من علماء البيان فمدفوع بأن قول المصنف ولم يحوج المؤمنين إشارة إلى الحصر ولإغنائه عن ما قاله الكشاف لم يذكره المصنف ولولا الحصر لما فهم ذلك « 2 » ولو قيل إنه

--> ( 1 ) غير مسلم فيه نوع خدشة ولهذا بادر إلى التسليم فقال على أنه يجوز العطف الخ . ( 2 ) ألا يرى أن قوله تعالى : وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [ المزمل : 20 ] يفيد الاختصاص مع أنه ليس فيه الاستئناف كذا قيل .